المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة تدخل جولة حاسمة في جنيف
مع بدء الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، يسيطر جو دبلوماسي مشحون بالحذر والرغبة الملحة، حيث تظهر التحديات صعبة لكنها قابلة للتجاوز. إذا تمت إدارتها بدقة تقنية وواقعية سياسية، فقد تمنع تصعيداً مكلفاً وتستقر منطقة تشهد تقلبات متزايدة.
بعد قرابة ثمانية أشهر من الانسحاب من طاولة المفاوضات، عادت طهران وواشنطن للتواصل عبر وساطة بدر البوسعيدي وسلطنة عمان. اكتسبت هذه المرحلة الدبلوماسية أهمية إضافية مع حضور رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما أضاف بعداً تقنياً واضحاً للمناقشات في جنيف.
الوفد الإيراني ينهي جولتين سابقتين
قاد الوفد الإيراني، برئاسة سيد عباس عراقجي، جولتين سابقتين من المحادثات في مسقط وجنيف. تشير التقارير الرسمية إلى أن الجولة الأولى ركزت على اختبار النوايا السياسية والجدية، بينما حددت الثانية إطاراً عاماً للمضي قدماً. ومن المتوقع أن تتجاوز الجولة الثالثة في جنيف العموميات إلى ما وصفه غروسي بـ"مناقشات ملموسة وعملية".
الأركان الثلاثة للاتفاق المحتمل
بناءً على التصريحات العامة والإحاطات الدبلوماسية، يستند الإطار الناشئ إلى ثلاثة أركان أساسية:
- القيود النووية وآليات التحقق
- رفع العقوبات
- المصالح الاقتصادية الأوسع والمنافع المتبادلة
يعكس المشاركة المباشرة للوكالة الدولية للطاقة الذرية جهوداً لتسريع وتنظيم الجانب النووي من الصفقة تقنياً. تشمل الأسئلة الرئيسية قيد المناقشة:
- ما هو مستوى ونطاق تخصيب اليورانيوم المسموح به؟
- كيف سيتم التعامل مع مخزونات إيران الحالية من اليورانيوم عالي التخصيب؟
- بأي آلية سيعيد المفتشون الوصول إلى مواقع مثل نطنز وفوردو وأصفهان؟
- كيف يمكن تصميم نظام تحقق يكون "موثوقاً وقوياً بما يكفي"؟
أكد غروسي أن العناصر الأساسية للاتفاق مفهومة جيداً، رغم استمرار الخلافات حول نطاق وعمق القيود. كما شدد على عدم وجود أدلة على برنامج أسلحة نووية نشط ومنظم—قبل الهجمات الأخيرة أو بعدها—رغم أن عدم الثقة السياسي يبقى محورياً.
النزاع الأساسي: التخصيب على الأراضي الإيرانية
يبقى خط الصدع الرئيسي هو تخصيب اليورانيوم. دفعت واشنطن نحو تعليقه أو تقييده بشدة، بينما تعتبر طهران استمرار التخصيب على أراضيها خطاً أحمر غير قابل للتفاوض. تبدو المناقشات الحالية أقل تركيزاً على إلغاء التخصيب تماماً، وأكثر على تحديد صيغة تحافظ على الموقف القانوني لإيران مع تخفيف مخاطر الانتشار بشكل فعال.
تشير بعض التقارير الإعلامية الأمريكية إلى أن شخصيات مقربة من دونالد ترامب قد تكون منفتحة على تخصيب محدود تحت ضمانات صارمة—وهو تحول قد يضيق الفجوة بين الطرفين إذا تأكد.
ظل التصعيد العسكري
في الوقت نفسه، أدت التوسعات العسكرية الأمريكية حول إيران إلى إضفاء إلحاح على المحادثات. تبعث استراتيجية واشنطن المعلنة لـ"السلام من خلال القوة" إشارات مختلطة: تركيز على الدبلوماسية مقترناً بإشارات متكررة للخيارات العسكرية. يعقد هذا الغموض جهود بناء الثقة.
بالنسبة لطهران، ترتفع التكلفة السياسية للمرونة تحت الضغط العسكري المرئي. لكن بالنسبة للطرفين، تؤكد مخاطر سوء التقدير—خاصة في الخليج العربي أو مضيق هرمز—قيمة نتيجة دبلوماسية سريعة. قد يتصاعد حادث واحد غير مقصود بسرعة.
دروس من خطة العمل الشاملة المشتركة
أظهر انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة أن الضغط الأقصى والإجراءات العسكرية قد تؤخر التقدم التقني لكنها لا تنتج بالضرورة شفافية مستدامة. صُمم هيكل الخطة—الذي حد من مستويات التخصيب، وخفض المخزونات، وأعاد تصميم مفاعل أراك، ونفذ إجراءات تحقق غير مسبوقة—ليس على الثقة السياسية، بل على القيود التقنية القابلة للتنفيذ.
زاد انهيار ذلك الإطار من عدم اليقين. السؤال المركزي الآن هو ما إذا كان يمكن إعادة بناء نسخة محدثة تقنياً من تلك الصيغة "الرابحة للجميع" تحت حقائق جيوسياسية متغيرة.
الاقتصاد كمحفز للاستقرار
بعد التفاصيل التقنية النووية، قد يعتمد الاستدامة طويلة الأجل على أرباح اقتصادية ملموسة. يمكن لإطار يعيد صادرات إيران من الطاقة إلى مستويات مستقرة—مقترناً باستثمارات دولية في البنية التحتية، والبتروكيماويات، والنقل، والطاقة المتجددة—أن يولد اعتماداً متبادلاً ويرفع تكلفة المواجهة.
بدون رفع عقوبات موثوق وتطبيع اقتصادي، حتى أكثر الاتفاقيات تقنية سليمة تواجه خطر الهشاشة.
هل اتفاق سريع واقعي؟
رغم الخلافات الكبيرة، تبرز عدة حقائق:
- القناة الدبلوماسية تبقى مفتوحة.
- المعالم العامة للصفقة قابلة للتحديد.
- الاختلافات حقيقية لكن يمكن إدارتها.
- يفهم الطرفان التكلفة العالية للحرب.
أكد وزير الخارجية الإيراني أنه، كما صُممت آليات تقنية بنجاح في 2015 لضمان الطبيعة السلمية للبرنامج النووي، يمكن تطوير آليات مماثلة—وربما أكثر تطوراً—اليوم.
تسير المفاوضات الآن على خط ضيق: موازنة ما هو قانوني شرعي، وما هو آمن من الانتشار، وما هو قابل للدفاع سياسياً في طهران وواشنطن. إذا تحقق هذا التوازن، قد تمثل الجولة الثالثة أكثر من تقدم تدريجي—قد تكون نقطة تحول استراتيجية. وإلا، قد يؤدي العودة إلى الضغط والمواجهة إلى عواقب لا يمكن لأي طرف السيطرة عليها بالكامل.



