جنيف: مفاوضتان وخاسر واحد.. أوروبا تغيب عن طاولتي القرار العالمي
جنيف: مفاوضتان وخاسر واحد.. أوروبا تغيب عن القرار العالمي

جنيف: مفاوضتان وخاسر واحد.. أوروبا تغيب عن طاولتي القرار العالمي

تحولت مدينة جنيف السويسرية في الأيام الأخيرة إلى بؤرة دبلوماسية عالمية مركزية، حيث تستضيف مسارين متوازيين للتفاوض يسلطان الضوء على تحول جيوسياسي عميق. من جهة، استؤنفت المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة تحت رعاية السفارة العمانية، ومن جهة أخرى، أكدت وزارة الخارجية السويسرية عقد اجتماع ثلاثي يجمع روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. ورغم الاختلافات الجوهرية بين الملفين، فإن واقعاً مشتركاً يبرز بقوة: أوروبا غائبة تماماً عن طاولتي التفاوض، مما يشير إلى تهميش متزايد للقارة العجوز في عمليات صنع القرار العالمية الحاسمة.

غياب غير عرضي يعكس تحولات موازين القوى

هذا الاستبعاد الأوروبي ليس حادثاً عارضاً، بل يعكس تحولات عميقة في موازين القوى وإعادة تعريف للأدوار ضمن نظام عالمي في مرحلة انتقالية. بينما حظيت الأطراف المشاركة في المفاوضات، على الأقل، بفرصة عرض وجهات نظرها وممارسة تأثير نسبي على مجريات الحوار، حُرِمت أوروبا حتى من هذا الحد الأدنى من المشاركة. يبدو أن القارة التي كانت ذات يوم في قلب المشهد الدبلوماسي العالمي تجد نفسها الآن على الهامش، في تطور يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل دورها الدولي.

سجل من عدم الالتزام وأزمة ثقة مزدوجة

يشير المسار الأوروبي في ملفي إيران وروسيا إلى ترسخ نمط من "المطالب القصوى دون التزامات متناسبة". في حالة الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، فشلت القوى الأوروبية ليس فقط في تفعيل التزاماتها الاقتصادية، بل أيضاً في تقديم الآليات المالية الفعالة التي وعدت بها لتعويض عقوبات الولايات المتحدة. وقد ساهم التنفيذ الجزئي أو المتعثر لأحكام قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، إلى جانب حملات الضغط السياسي، في تآكل ثنائي مستمر للثقة المتبادلة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وفي الملف الروسي، نظرت موسكو إلى الدعم العسكري والمالي الأوروبي الواسع لأوكرانيا، وتجميد الأصول الروسية، والتطورات المتعلقة بحلف شمال الأطلسي (الناتو) على أنها خروقات للتفاهمات السابقة. وكانت النتيجة أزمة ثقة مزدوجة لأوروبا، تتجلى الآن في استبعادها من عمليات تشكيل القرار الرئيسية. في بيئة دبلوماسية حيث الثقة هي العملة الأساسية، تجد الأطراف التي تُنظر إليها على أنها غير موثوقة نفسها تدريجياً على الهامش.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

التبعية الأمنية وفجوة الاستقلال الاستراتيجي

يكمن أحد الجذور الهيكلية للمأزق الأوروبي الحالي في اعتمادها الطويل الأمد على المظلة الأمنية الأمريكية. فعلى مدى ما يقرب من ثمانية عقود، ارتكز الهيكل الدفاعي للقارة إلى حد كبير على ضمانات واشنطن. مع مرور الوقت، امتدت هذه الاستعانة بمصادر خارجية في مجال الأمن إلى المجالات السياسية والاقتصادية. وقد سلطت الحوادث الأخيرة، بما في ذلك الضغوط الاقتصادية والتحركات السياسية الأحادية الجانب من الولايات المتحدة، الضوء على محدودية مساحة أوروبا لاتخاذ قرارات مستقلة بالكامل عند المنعطفات الحاسمة.

وعلى الرغم من تأكيد القادة الأوروبيين مراراً على تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية في منتديات مثل المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس ومؤتمر ميونخ للأمن، فإن فجوة ملموسة تظل قائمة بين الخطاب حول "الاستقلال الاستراتيجي" والواقع الهيكلي. يمكن تفسير غياب أوروبا عن مفاوضات جنيف على أنه عرض لهذه الفجوة بالذات، بين ادعاء الوكالة المستقلة واستمرار الاعتماد الاستراتيجي.

استمرار في مسار مكلف وتداعيات محتملة

على الرغم من الإشارات الإعلامية التي توحي بعودة أوروبا إلى دبلوماسية أكثر حزماً، تشير الأدلة إلى استمرار الالتزام بالأنماط السابقة، التي تتسم بالتدخلية السياسية، والتحالفات المكلفة، وصنع السياسات التفاعلية في بعض الأحيان. لقد عمّق الدعم غير المشروط لبعض الجهات الفاعلة الإقليمية، والمواقف الأحادية الجانب، والتسييس في المحافل الدولية، من الاستقطاب بدلاً من استعادة نفوذ أوروبا.

في نظام عالمي ناشئ يتحدد بشكل متزايد بالتعددية القطبية والتوزيع الأكثر توازناً للقوة، ستكون الجهات الفاعلة الناجحة هي تلك القادرة على بناء الثقة من خلال المشاركة التفاعلية والمسؤولة. إذا سعت أوروبا إلى العودة إلى قلب المعادلات العالمية، فإن إعادة تقييم نموذجها السلوكي تبدو أمراً لا مفر منه. وإلا، فقد يتحول الاستبعاد من طاولات صنع القرار الحرجة من تطور عَرَضي إلى اتجاه دائم، مما يعيد تشكيل خريطة النفوذ الدولي لصالح قوى صاعدة جديدة.