الولايات المتحدة وإمكانية مواجهة حرب استنزاف جديدة في الشرق الأوسط
مع دخول الصراع الحالي في الشرق الأوسط مرحلة جديدة، يبدو أن التحذيرات تتصاعد بشأن مخاطر تحوله إلى حرب استنزاف مطولة. يحذر المحللون والخبراء الاستراتيجيون من أن استمرار المواجهات لفترة طويلة قد يضع واشنطن مرة أخرى في مواجهة عسكرية وسياسية معقدة ومكلفة للغاية عبر المنطقة بأكملها.
دروس التاريخ: العراق وأفغانستان
تشير التجارب التاريخية بوضوح إلى أن الولايات المتحدة واجهت تحديات جسيمة في الصراعات الإقليمية الممتدة. الحربان الطويلتان في العراق وأفغانستان تقدمان نموذجين بارزين على ذلك. فعلى الرغم من إنفاق تريليونات الدولارات وسنوات من الوجود العسكري المكثف، انتهى كلا الصراعين دون تحقيق الأهداف المعلنة، وبتكاليف بشرية وسياسية كبيرة.
كانت هذه الخلفية التاريخية أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ينتقد بشدة التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث وجه اللوم مراراً للإدارات السابقة لجرها واشنطن إلى حروب مكلفة ومفتوحة النهاية. ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى أن إدارته الحالية قد تجد نفسها الآن على طريق مواجهة أوسع - مواجهة إذا طالت، يمكنها أن تعيد إحياء نفس المعضلات الاستراتيجية التي ميزت الصراعات السابقة.
الاستعداد الإيراني للمواجهة الطويلة
في المقابل، أعلنت إيران منذ بداية المواجهة أنها مستعدة لصراع طويل الأمد. من منظور استراتيجي، يحمل هذا الموقف أهمية كبيرة. غالباً ما تشير النظرية العسكرية إلى أنه عندما يسعى أحد الأطراف لحرب قصيرة بينما يستعد الطرف الآخر لنضال ممتد، فإن ميزان المكاسب قد يتحول تدريجياً نحو الطرف الأكثر قدرة على امتصاص الضغوط والاستمرار في القتال مع مرور الوقت.
في هذا الإطار، يبدو أن إيران تعتمد على مزيج من القدرات الوطنية والشبكات الإقليمية - موارد تشمل ليس فقط قدراتها الدفاعية الداخلية، ولكن أيضاً الفاعلين المتحالفين عبر المنطقة. التوسع التدريجي لجبهات الصراع في جميع أنحاء الشرق الأوسط يمكن أن يعقد المعادلة الاستراتيجية بشكل أكبر.
تعدد الجبهات وتعقيد المواجهة
يشير الوجود النشط لمجموعات مثل حزب الله على الجبهة اللبنانية، إلى جانب الاشتباكات بين قوات المقاومة في العراق والقوات الأمريكية، إلى أن الحرب قد تتطور إلى مواجهة إقليمية متعددة الجبهات. في مثل هذه الظروف، قد تجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على تقسيم مواردها العسكرية والأمنية عبر عدة مسارح، وهي حالة تميل تاريخياً إلى زيادة التكاليف السياسية والعسكرية في الصراعات المطولة.
عامل حاسم: سوق الطاقة العالمي
عامل حاسم آخر في هذه المعادلة هو سوق الطاقة العالمي. تمر نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وأي تعطيل على طول هذا الطريق يمكن أن تكون له عواقب اقتصادية بعيدة المدى في جميع أنحاء العالم. إذا أدت الحرب إلى اضطرابات مستمرة في تدفقات الطاقة، فمن المرجح أن تتصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية على الحكومات المشاركة في الصراع - خاصة في الدول الغربية.
مثل هذه الضغوط يمكن أن تؤدي في النهاية إلى موجة من الجهود الدولية تهدف إلى إنهاء الصراع. إلى جانب هذه الاعتبارات الجيوسياسية، قد تلعب المتغيرات المحلية أيضاً دوراً حاسماً في تشكيل مسار الحرب.
المتغيرات المحلية وتأثيرها
في إسرائيل، يمكن أن يؤثر استمرار الأعمال العدائية وتصاعد الضغوط الأمنية على المستقبل السياسي لبنيامين نتنياهو. في الولايات المتحدة، يمكن أن تصبح الحرب المطولة قضية رئيسية في المنافسة السياسية المحلية - خاصة إذا ارتفعت تكاليفها الاقتصادية والبشرية.
تطورات مثل الخسائر المحتملة للحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس أو زيادة الضغط السياسي على الإدارة يمكن أن تؤثر أيضاً على صنع القرار فيما يتعلق باستمرار الصراع.
سيناريو حرب الاستنزاف والنتائج المحتملة
في ظل هذه الخلفية، إذا تطورت المواجهة إلى حرب استنزاف، فمن المرجح أن يتم تحديد النتيجة ليس فقط على ساحة المعركة، ولكن في التوازن الأوسع للتكاليف والمرونة السياسية والاجتماعية للأطراف المشاركة. في مثل هذا السيناريو، تبدو إيران مستعدة للاستفادة من قدراتها الوطنية والإقليمية لمنع تحقيق الأهداف المعلنة للولايات المتحدة وإسرائيل.
حتى دون تحقيق انتصار عسكري تقليدي، لا يزال بإمكانها وضع نفسها بشكل مفيد من الناحية الاستراتيجية. بالنسبة لواشنطن، ومع ذلك - التي يُنظر إليها غالباً على أنها من بدأ الصراع - فإن الفشل في تحقيق أهدافها المعلنة وإمكانية الخروج من المواجهة دون مكاسب ملموسة يمكن أن يعادل هزيمة سياسية واستراتيجية.
من المرجح أن يمتد مثل هذه النتيجة إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة، حيث سيكون لها صدى في السياسة الداخلية الأمريكية وفي ميزان القوى الأوسع عبر الشرق الأوسط. الحرب المطولة قد تعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي للمنطقة بطرق يصعب التنبؤ بها بالكامل.



