إيران في قلب المعادلة السياسية الأمريكية: من قضية خارجية إلى ورقة انتخابية
لم يعد ملف إيران مجرد قضية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، بل تحول إلى عنصر مركزي في الصراع السياسي الداخلي الأمريكي، حيث تستخدمه الأطراف المختلفة كأداة لتحقيق مكاسب انتخابية واستراتيجية.
الفخ السياسي الذي يصنعه ترامب
من وجهة النظر الديمقراطية، فإن الحرب المحتملة مع إيران ليست مجرد قضية أمن قومي، بل هي فخ سياسي ذاتي الصنع يقوم دونالد ترامب ببنائه بنشاط. لا يحاول الديمقراطيون إيقاف هذا المسار ولا يشجعونه علناً، بل يبدو أنهم مستعدون للسماح له بالوصول إلى ذروته، مما يضمن أن التكاليف السياسية والاقتصادية تقع بالكامل على عاتق ترامب والحزب الجمهوري.
يفهم الديمقراطيون أن الصراع مع إيران - على عكس العديد من التدخلات العسكرية الأمريكية المحدودة - من المحتمل ألا يكون قصيراً ولا رخيصاً ولا يمكن السيطرة عليه. وقد يؤدي التصعيد إلى رفع أسعار الطاقة، وزيادة الضغوط الاقتصادية المحلية، وتآكل الثقة العامة في الحكومة، وإجهاد التحالفات الدولية.
منطق الصمت الاستراتيجي
يحمل معارضة احتمال الحرب علناً مخاطر كبيرة للديمقراطيين. أولاً، إذا لم تتحقق الحرب، يمكن لترامب المطالبة بالفضل في "ردع التهديد الإيراني" وتصوير الديمقراطيين على أنهم ضعفاء. ثانياً، إذا اندلعت الحرب بعد مقاومة ديمقراطية قوية، يمكن إلقاء اللوم على الحزب لعرقلة العمل الحاسم أو المشاركة في العواقب.
في هذا الإطار، يصبح الصمت التكتيكي هو الخيار الأكثر أماناً واستراتيجية - مما يسمح لترامب بالمضي قدماً حتى نهاية الطريق الذي بدأه دون إنقاذ سياسي من خصومه.
الحرب كفرصة وليس كهدف
من المهم التأكيد أن الديمقراطيين لا ينظرون إلى الحرب على أنها نتيجة مرغوبة. بل يرون فرصة سياسية محتملة في عواقبها. يمكن للصراع المكلف أو غير المستقر أن يقوض سردية ترامب عن "القيادة الحاسمة"، ويسلط الضوء على تقلب صنع القرار الشخصي، ويمهد الطريق للديمقراطيين لاستعادة الأغلبية في الكونغرس وتعزيز أدوات الرقابة ضد البيت الأبيض.
بعبارات صريحة، إذا كان ترامب سيعثر، يفضل الديمقراطيون أن يفعل ذلك على أرضية من اختياره - وليس من خلال تدخل قد يحميه في النهاية من المساءلة.
بيانات الرأي العام وتآكل الدعم الشعبي
تعزز بيانات الرأي العام هذا الحساب السياسي. تشير الاستطلاعات إلى دعم عام محدود للعمل العسكري ضد إيران. وجد استطلاع للرأي أجرته هارفارد كابس/هاريس في يناير أن 71 بالمائة من الأمريكيين عارضوا العمل العسكري - حتى في سيناريو افتراضي صيغ كرد على قمع المحتجين المزعوم.
تشير البيانات إلى أن السرديات العاطفية أو المتعلقة بحقوق الإنسان لم تحول الرأي العام بشكل كبير نحو الحرب. كما أشار استطلاع إبسوس إلى أن غالبية الأمريكيين لا يعتقدون أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية تقديم الدعم العسكري للمحتجين المناهضين للحكومة في إيران.
معاً، تعكس هذه الأرقام واقعاً استراتيجياً أوسع: لقد كافح الرئيس الأمريكي ليس فقط لبناء إجماع عالمي ضد إيران، ولكن أيضاً لتعبئة الدعم المحلي المستدام. بعد عقدين من الحروب المكلفة في العراق وأفغانستان، يظهر المجتمع الأمريكي القليل من الشهية لأزمة أخرى في غرب آسيا - خاصة وسط الضغوط الاقتصادية المحلية، والاستقطاب الاجتماعي، وانخفاض الثقة السياسية.
دور إسرائيل: محاذاة الوظيفة وليس وحدة الأهداف
تلعب إسرائيل - وخاصة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو - دوراً حاسماً في هذا الديناميكية. جادل نتنياهو مراراً وتكراراً وبشكل علني بأن المفاوضات مع إيران ستفشل وأن المطالب يجب أن تكون عالية بما يكفي لجعل أي اتفاق محتمل باطلاً بشكل فعال منذ البداية.
في حين أن هذا الموقف يتناقض مع الانفتاح الخطابي العرضي لترامب على صفقة، فإن الاختلاف أكثر أسلوبية من وظيفية. في الممارسة العملية، يضيق موقف نتنياهو المساحة الدبلوماسية، مما يضع واشنطن أمام خيار صارخ: قبول صفقة قد يتم وسمها بالفشل، أو التحرك نحو المواجهة العسكرية.
لكن الأهداف الأساسية تختلف. يسعى نتنياهو إلى منع أي اتفاق من شأنه إزالة إيران من وضع "التهديد المباشر". بالنسبة له، قد يكون حافة الصراع أفضل من سلام غير كامل. على النقيض من ذلك، يبدو أن الديمقراطيين مستعدون للسماح لترامب بالصراع للحفاظ على التوازن على تلك الحافة بالذات.
ترامب عند تقاطع الاستراتيجيات
في هذه المعادلة، يصبح ترامب نقطة التقاء استراتيجيتين متميزتين: بالنسبة لإسرائيل، مركبة لتكثيف الضغط وإغلاق السبل الدبلوماسية؛ بالنسبة للديمقراطيين، موضوع سياسي قد تولد قراراته عواقب انتخابية.
من خلال رفع المطالب وتقويض مصداقية المفاوضات، يضع نتنياهو ترامب في ثنائية محفوفة بالمخاطر - إما عقد صفقة يتم تصنيفها بسرعة على أنها ضعيفة أو الاقتراب من المواجهة العسكرية. الديمقراطيون، على الرغم من أنهم ليسوا مهندسي هذه المعضلة، لا يسرعون إلى تفكيكها.
لذلك فإن عدم معارضتهم القوية لحرب محتملة مع إيران هو أقل مسألة عدم مسؤولية من حساب سياسي بارد. إنهم ينظرون إلى المسار على أنه فخ من صنع ترامب نفسه ويبدو أنهم يميلون إلى تعظيم عواقبه السياسية بدلاً من تحييده.
المشهد الهش والنتائج المتوقعة
النتيجة هي مشهد هش قد لا تكون الحرب فيه الهدف الصريح لأي شخص - ومع ذلك فإن جميع الجهات الفاعلة، عن علم أو غير علم، تقترب منها، كل مقتنع بأن السقوط السياسي النهائي سيفيد جانبهم الخاص. هذا يخلق بيئة خطيرة حيث:
- تصبح القرارات الاستراتيجية رهينة للحسابات الانتخابية الداخلية
- تتفاقم المخاطر الإقليمية بسبب المصالح الحزبية الضيقة
- يفقد الدبلوماسية مكانتها لصالح المواجهة المحسوبة
- تتحول القضايا الأمنية المعقدة إلى أدوات في الصراع السياسي المحلي
في النهاية، يظهر هذا التحليل كيف يمكن للسياسة الداخلية أن تشكل بشكل عميق القرارات الخارجية للقوى العظمى، مما يخلق سيناريوهات حيث تصبح المصالح الحزبية قصيرة الأجل أكثر تأثيراً من الاعتبارات الاستراتيجية طويلة المدى.



